الأحد، 1 نوفمبر 2009





من أطلق الرصاص

النعاس يثقل أجفانها ومتعته تغريها بالبقاء متدثرة بفراش سريرها المتواضع.. تحاملت على نفسها ونهضت بتكاسل شديد.. تحسست المكان إلى جوارها، وحين لم تعثر كفها على جسده هبت منتفضة.. تسلل القلق إلى قلبها.. أزاحت ستارة النافذة.. انتشر فضاء الفجر الفضي يملأ المكان على الفور.. هاهو الفجر قادم، وعقارب الساعة تشير إلى الخامسة ودقائق. هتفت باسمة دون إجابة.. تملكتها أحاسيس لم تستشعرها من قبل.. خوف قلق تثيرها الأشياء من حولها.. نباتات الزينة وانعكاسات الظل والضوء عليها بدت كشبح يركن إلى زاوية الغرفة.. تحفة الفارس ممتطياً جواده الأسود انعكست في ذهنها لأول وهلة كوحش يتربصها.. حتى ستارة النافذة تخيلت وكأن شخصاً ما يختفي خلفها.. هتفت باسمة من جديد.. تراءت لها الأشياء من حولها كأنها تردد صوتها المبحوح.. رائحة الخوف تزكم قلبها.. تهرول في اتجاهات مختلفة.. لعله في المطبخ يصنع قهوته المفضلة، أو غرفة مكتبة يستثمر بواكير النهار، يخط أفكاراً خطرت لـه.. أنات اعتملت في ذهنه، فاستل ريشته للمبارزة.‏

توقفت عند الباب.. زفرت من أعماقها بارتياح طفل ملتاع استقر بين ذراعي أمه.. هاهو لم يبرح مكانه منذ الليل ينكفئ على مكتبه بين أوراقه ورسوماته.. تختلط ملامحه بملامحهم بعد أن امتزجت أناته بأناتهم، وتلونت شرايينهم بانعكاسات الظل والضوء الباهت.. خطوط تشابكت. تداخلت وتنافرت وبين ثنايا تعرجاتها تكشَّفت رائحة نتنة، امتزجت بعطر أرستقراطي متعجرف بدا واهياً أمام جثة تعفنت واقتحمت رائحتها العقول وثنايا العظام حتى العظام، وبين مفارقات الظل والضوء تداخلت الهواجس المظلمة تصطبغ بألوان متباينة فشلت كل محاولات وأدها.. كيف تركته يواصل ليله بنهاره، لتغط في نوم عميق بعدما عجزت عن متابعة السهر إلى جواره وهو يسطر خطوطه فوق وريقاته دون ملل، لتحتل رسوماته صفحات الجرائد عند الصباح، حتى غافله النوم.. مالت يده.. استراحت أصابعه.. سقط القلم جانباً وانكفأ رأسه فوق الطاولة كان يحلم بوطن بهي الطلعة.. بابتسامة تظلل الوجوه البائسة، بمدرسة ومستشفى ونسمة تعبق برائحة الياسمين وبريشته تشق ظلام الشاحبين بحدة موجعة توغل في الأعماق، تستأصل اللحم عن العظم، وتعيد الكتابة منقوطة بتفاصيلها كي يستيقظ ذاك النائم في قمقمه، وتشتعل أجراس الخطر المدفونة في الأعماق.. مجاهد.. انهض.. تململ قليلاً، رفع رأسه.. فتح عينيه على ملامحها!.. طاب صباحك، أجهدَت نفسكَ بما لا تطيق.. نهض متثاقلاً، وراح يلملم أوراقه المبعثرة. سأصنع لك القهوة.. أحس بدوار.. أوشك أن يترنح.. أمسك بذراعها.. طوقته بكلتي يديها.. وجهك شاحب!! سأقودك إلى غرفة نومنا.. بل اشرب القهوة امضِ لا تقسُ على نفسك وعليَّ.. حدق في وجهها.. شد على يدها.. رشف رشفته الأخيرة ومضى طلقات رصاص مزقت صمت المكان من حولها، أحست كأن قلبها هو الهدف.. أخذت أفكارها تعمل كحاسبة آلية تقيس الزمن ما بين خروج زوجها وصوت الرصاص.. يمتزج الحساب بالعواطف ليتمخض الهاجس المخيف يشعل في جوفها بركاناً من الخوف والغضب.. ارتجفت أوصالها.. أيغتال الرصاص ريشة فنان مرهف؟؟!! أتدك سنابك البغال وريقات زهرة ناعمة..!!؟؟‏

ترفض أن تستسلم لشجونها.. تطبق أجفانها كي لا ترى بقعة دمٍ، وجثة تلثم الثرى وأوراقاً انطبعت على صفحاتها ورودٌ حمراء!! بجوارها قلمٌ حطمته رصاصة حمقاء؟؟‏

اندفعت ترتدي ملابسها على عجل، فتحت الباب بعنف وأطلقت ساقيها للريح.. الأصوات في الخارج تعلو.. الأخبار تنتقل. من شخص لآخر كالبرق، من اللبان إلى الجزار إلى الفاكهاني.. ما الذي حدث؟! من أطلق الرصاص؟! ومن الذي قُتل؟!.. "الأصوات تتشابك والكل يركض ويصرخ..؟!" مجاهد!! أين زوجي؟؟.‏

أحدهم يروي.. أنا رأيت القاتل، كان يرتدي معطفاً رمادياً، وعلى عينيه نظارة سوداء، أطلق الرصاص وهرب.. آخر "يتحدث في ذعر مروّع:.. كان المسكين يهم بإيقاف عربة أجرة عندما سقط مخضباً بدمه".! آخر: "كان يحمل أوراقاً وصحفاً كثيرة.. مسكين".‏

أحاديث الناس تخترق قلبها فتؤجج خوفها نيراناً مستعرة.. لا ليس زوجي هو القتيل.. لابد أن يكون في مقره الآن.. نعم، لن يكون القتيل زوجي لا أظن أن يصل بهم الأمر حد القتل.. أيقتلونه لمجرد أن ريشته لا تروق لهم؟؟!!‏

شمس النهار تملأ الدنيا ضياءً ودفئاً.. تزداد على الأثر حركة المشاة والعربات، تمتزج الأصوات في ضجيج صاخب.. أسرعي يا نهلة.. أسرعي فموقع الحادث على بعد أمتار من هنا عربات الشرطة سدت المنافذ المؤدية للمكان، وعويل عربة الإسعاف تصم الآذان.. أمسكت بسترة الشرطي بقوة.. من الضحية؟؟!!‏

لم يجب.. ظنها متطفلة.. انصرفي من هنا لو سمحت.. أعادت السؤال.. ملامح وجهها تبدي اهتماماً غير عادي.. استنطقه جزعاً.. "مجاهد" فنان الكاريكاتير الشهير.. (قالها الشرطي) وأشاح بوجهه عنها.. دوار فظيع عصف برأسها.. أشباح سوداء كل ما أحست به من حولها، وكورقةٍ عجفاء سقطت بجوار الرصيف.‏

http://tasg5jemailcom.blogspot.com/

مربعٌ صغيرٌ أسود لا يكاد يتسع لقامته إذا ما حاول النوم ..



لا بد له من البقاء في وضع القرفصاء لتتسع له الجدران المتقاربة ..



الظلام يحتل كل ركن فيها .. تبا لهؤلاء الغرباء ..



رائحة العفونة تزكم أنفه ..



طاقة صغيرة جدا في أعلى الجدار يتسلل منها المزيد من الظلام ..



أصواتٌ مختلطةٌ ما بين الأنين والصراخ ..



أقدام ثقيلة ( خرخشة ) سلاسل ..



أقفال حديدية تصطدم بأبواب فولاذية ..



.. رباه ألهمني الصبر ( تمتمت شفتاه )



تذكر أمه .. أطلّ وجهها حزينا شاحبا ..



قرأ الفاتحة ..



كم من الوقت سيمضي بين هذه الجدران ؟!!



سنة .. خمسة .. خمسة عشر ..؟!!



أطلّ وجهٌ يعرفه .. مؤبد ..



ابتسم .. لا يهم .. يا إلهي !!!

الجمعة، 30 أكتوبر 2009

تحدي .. قصة بقلم : تيسير الغصين



رَسَمَ  الرجلُ ذي البزة الخضراء والشارة الزرقاء على السبورة خارطةً، وكتب فوقها كلمةً..
فَغَرَ الطفلُ فاه والدهشة تعقد جبينه، رفع إصبعه، لم يأذن له الرجلُ وأدار له ظهره، ألحَّ الطفلُ في طلب الإذن، ولا مُجيب، نهض من مكانه مُحتجّاً، رماه الرجل بنظرة تنذر بالوعيد، سرى الخوف في أوصال الطفل للحظة ثم تمالك نفسه، تدافعت انفعالات الغضب في جوفه ثم صرخ: خطأ..
توقف الرجل فجأة، صدمته الصرخةُ تسمَّر في مكانه لحظة، ثم ببطء شديد استدار، وقبل أن يُحرِّك شفتيه، هتف الطفل عاليا مرة أخرى: خطأ.. وأشار إلى السبورة، نظر الرجل إلى السبورة مندهشا ثم التفتَ إلى الطفل غاضبا، وبنبرة حاول جهده أن تكون متوازنة قال: ما الخطأ؟!!
أشار الإصبع الغضُّ إلى الخارطة وهتف بعنفوان: هذا خطأ..
وما الصواب إذن؟! (صاح الرجل وقد عَلَت نبرته عن سابقتها)
انطلق الطفل إلى السبورة، أمسك بالممحاة ومحا الكلمة المكتوبة، وكتب كلمة أخرى..
صَفّقَ جميع الأطفال الحاضرين في حين اشتعلت عيون الرجل بالشرر  ليصرخ أخيرا في تشنج بل هي إسرائيل!
هتف الأطفال في صوت واحد بل فلسطين ، فلسطين.




الأربعاء، 28 أكتوبر 2009

القطة تأكل صغارها: قصة تيسير الغصين


آويت إلى سريري الحديدي الصدئ ذات ليلة من ليالي الشتاء الباردة ، ليس بدافع النعاس والحاجة إلى النوم بقدر حاجتي إلى الدفء عبر ثنايا الفراش المتواضع ، لم يكن الفراش بالمعنى المُتَخيّل ، ولا المكان غرفة في منزل ، بل خيمة تعبث بها الريح المسافرة بجنون ..!!

كان البرد يتسلل إلى مفاصلي كالمسامير تنخر عظمي .. أحسست بأطرافي ترتجف بتواصل ، وأسناني يصطك بعضها ببعض ، مصدرة صوتا أشبه بهرير القطة ..

جذبت ( البطاطين) إلى جسدي مطوقاً بها أكتافي وعنقي ، لكنني سرعان ما قذفت الغطاء بعيدا .. كانت رائحة عرقٍ متراكم مختلطا برائحة أخرى كرائحة البول ، وانفتح باب الخيمة فجأة حين اندفع تيار من الريح البارد تُجمد أطرافي من جديد .

إذاً لا فائدة .. لا مناص من التحاف تلك ( البطاطين) القذرة ، وإلا سقطت صريعا لمرض من أمراض البرد يلازمني طيلة سنواتي الباقية ..

أغمضت جفني محاولا اصطناع النوم على طريقة ( غوبلز ) في معالجة حربه الدعائية ، أقفلت فمي أيضا ، ليكف هو الآخر عن صراعه الداخلي ، في محاولة مني لإغراء هاجس النوم من السيطرة على أعصابي ، لكن دونما جدوى ذهبت محاولاتي .. صوت الريح العاصفة في الخارج ومسامير البرد اللاسع ، ورائحة الفراش النتن ، بالإضافة إلى هواجسي المتصارعة ، تضافرت جميعها ، فوقفت سدا منيعا أمام محاولاتي النوم ، ولأن الباب كان مفتوحا على مصراعيه أمام الخيال فقد سمحتْ هواجسي لنفسها استعراض ما حدث لصديق تعرفت عليه في مطار بغداد وكانت غايتنا واحدة .. عمل صاحبي هذا مراسلا صحفيا لصحيفة خليجية ، كان الوقت بعد ظهر أحد أيام شهر تموز الحارقة عندما بدا الإعياء على وجه صديقي المراسل بوضوح !! في حين راحت قطرات العرق تتصبب من جبهته السمراء متلاحقة غزيرة من شدة الحرارة .. ألقى بثقل جسده فوق حافة سريري ثم همس بصوت أجش متعب :

ـ ألدبك ماء بارد ؟؟

أومأت برأسي ، وأشرت إلى صندوقٍ من الفلين الأبيض يستخدمه العراقيون في العادة لحفظ الثلج ، فأسرع إليه وأخرج زجاجة ماء ، راح يفرغ محتوياتها في جوفه على عجل ، لكنه سرعان ما توقف عن الشرب وأخذ يتأمل الماء في تقزز ، وذرات الكلس والطين تتسرب أمام عينيه إلى قعر الزجاجة ، ثم حدجني بنظرة مندهشة ، فسارعت إلى القول :

ـ اشرب .. اشرب ، صحة وعافية ، هذا هو الموجود ..

قال دون أن يحول نظراته عني :

ـ إنها قذرة !!

أومأت برأسي قائلا :

ـ نعم أعلم ذلك ..

تابع قائلا :

ـ وغير صحية !!!

ـ نعم .. نعم

هتف صديقي والدهشة لا تزال تعقد حاجبيه :

ـ نعم .. نعم !!! وكيف تشربون هذا الماء القذر؟؟؟؟!!!

عقبتُ قائلا :

ـ مثلما شربتَه أنتَ قبل قليل ..

لكنه أعاد الزجاجة مكانها في الصندوق متبرما وهمس قائلا :

ـ لن أشرب هذا الماء !!

ولم أتمالك نفسي فانفجرتُ ضاحكاً ثم قلت :

ـ ستضطر للشربِ بعد حين يا صديقي ..

ومضى إلى حافة السرير فجلس في إحباط قاتل ، فبادرته بالسؤال عن أخباره ، رفع إليَّ عينين زائغتين ، وتلفت حوله في حذر ثم همس بحسرة وألم :

ـ ماذا يمكن أن أقول أكثر من أنها مقبرتنا ، وانتزاع لما خبأناه بين الضلوع لسنوات طويلة .. اليوم تمتد خناجرهم إلى أعماقنا .. إلى القلب منا ، لتمزق الشريان الموصل للحياة .. أسقطوا الصورة الجميلة المعلقة فوق الجدار الشامخ .. داسوها بأرجلهم ، واستبدلوها بحذاءٍ مهتريء وثقيل ، ربطوا عيوننا بعصابة سوداء ، ويريدون سوقنا كالأنعام إلى المذبح دون أي معنى .. لماذا يحدث كل ذلك؟؟!!

صمت صاحبي قليلا وهو مطرقٌ إلى الأرض ثم رفع إليَّ عينين ترقرقت فيهما دمعتان كبيرتان حاول جهده إخفاءهما ، ثم تابع بمرارة :

ـ لماذا يكبلون يدي كي لا تكتب ..؟؟!!! ولِمَ يحيطونني بأسوارٍ من الشائك ، ويقولون : " عليك أن تبقى هنا ، يُحذرُ عليكَ الخروج ، وممنوع أنت من الزواج إلا بإذنٍ من السلطات العليا .. !!

لا تتدخن باستثناء الفتات أو ما يزيد عن الحاجة .. الدجاج المجمد ليس من حقك ، والبيض إذا أوشك على الفساد يمكنك تناوله ، وفي الفجر عليك أن ترتدي حذاءَ شمواي بني اللون حتى لا تُحسم خمسة أيامٍ من راتبك !! "

جذبتُ الغطاء إلى رأسي لعلي أتقي البرد .. صوت الريح تصفر في سمعي حاملة صدى صوتٍ أشبه بمواء قطة ، أجل هو كذلك مواء قطة ، يتماوج مع صوت الريح .. هدأت الريح والقطة لا تكفُ عن المواء .. كم يزعجني صوتها !! ما أشد قسوة هذه الليلة وما أحلك ظلامها ..!!

.. يتواصل المواء ويتعالى .. ما خطبها ؟؟!! أتراها جائعة لا تجد طعامها !! أم أنها أحست بالبرد فراحت تبحث عن الدفء مثلي!! .. ربما !! ولكن ما ذنبي أنا ؟؟!!

أينبغي عليَّ احتمال البرد ورائحة الغطاء النتن وصوت الريح في الخارج ، ومواء القطة ، واختلاط الصور في ذاكرتي .. ؟؟!!

ازداد المواء كأنه الصراخ بالفعل مختلطا بصوتٍ أشبه ما يكون بصوت التهام طعامٍ لحيوانٍ جائع .. ألقيتُ الغطاء جانباً وأشعلت شمعة ، ثم رُحت أتحسس طريقي داخل الخيمة .. هدأت الريحُ فجأة فاتضحت ملامح الصورة أكثر ، وشيئا فشيئا تمكنتُ من الاقتراب ، قطة افترشت خَِرقةً بالية في إحدى زوايا الخيمة ، وبالقرب منها تجمع عددٌ من القطط الصغيرة جدا ، والتي بدا أنها ولدتها في التو ، أما المواء الذي قضَّ مضجعي وأرَّق نومي فقد كان صراخا بالفعل ..!!

كان شيئا مدهشا بالنسبة لي حين رأيت القطة الأم وهي تلتهم صغارها واحدا تلو الآخر بشراهة غريبة .. !!

تداخلت الصور والخيالات في ذاكرتي ، وأطلّ وجه صديقي من بينها بعينيه الحزينتين وعذابه الدفين تقطر من جبهته حبات العرق ..

حدقت النظر متأملا القطة المفترسة من جديد ، وهي تلتهم صغارها .. هبت الريح مرة اخرى .. فتراقص ضوء الشمعة في يدي .. أسرعت إلى سريري قبل أن ينطفأ ضوءها فأعجز عن الوصول إلى مضجعي ..

دسستُ جسدي تحت البطاطين ، قربتها أكثر مني .. تمتمتْ شفتايَّ وأنا أجذب الغطاء إلى رأسي .. حتى القطة تأكلُ صغارها ...!!

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2009

طفولتي البائسة

طفولتي البائسة
بقلم/تيسير الغصين

انتفض جسدي الصغير فجأة , واعتراني حياء شديد , لم أعد أدري إن كان لابد لي أن استجيب لطلب مدرس الحساب بخلع معطفي الثقيل أم كان عليَّ تجاهله ؟!.. افتقدت الشجاعة اللازمة لرفض طلبه, وفي ذات الوقت لا أستطيع خلع معطفي, الأمر يسترعي العجب, لا أحد يرتدي معطفا ثقيلا في عز الصيف !
.. هيا يا سمير انتزعه .. سيساعدك ذلك على فهم الحساب !! (قال المدرس ).
كم أكره مدرس الحساب هذا!! .. ما دخل الحساب في ما أرتدي من ثياب ؟! ليته يكف عن ملاحقتي, ليته يتركني وشأني, ماذا أفعل الآن ؟! هو لا يفارق مكانه إلى جواري, ويصر على أن اخلع معطفي.. سيكون الوضع محرجا لي أمام زملائي التلاميذ !! بدأت حبات العرق تبلل جبيني, وراحت العيون تلاحقني متفرسة توشك أن تنقض عليَّ دفعة واحدة .. اخلع معطفك .. اخلعه .. لا تتردد .. ليت الجرس ينقذني من ورطتي ! مازال في الوقت متسع, وهذا المعلم يتسمّر بالقرب مني مصرّا على طلبه!
امتدت يداه الغليظتان نحوي كغول مخيف .. انتزع المعطف بقسوة, ووقفت مرتبكا كريشة في مهب الريح نقّلت نظري ببطء شديد لعلي اقرأ في عيونهم ما انطبع في أذهانهم عني بعدما بدا قميصي الممزق بكل تفاصيله أمامهم!!
******